جيرار جهامي
51
موسوعة مصطلحات ابن سينا ( الشيخ الرئيس )
النفس قد تدرك المعقولات في هذا البدن وذلك بملاحظة عالم العقل ، أتدركه بقوة صرفة لذاتها أو باستعمال العمل معها ؟ فإن كانت تدركها بالقوة التي لها في ذاتها فتكون لا حاجة لها إلى الفعل والعمل ، فهي في البدن كالمجرّدة عن البدن ، وليس كذلك بل إنما تستكمل أفعالها وهي في البدن بأفعال وفكر وآلات . وإن كان لا بدّ لها من فعل فلا ينتفع بقوّتها في إدراك المعقولات فيكون إدراكها للمعقولات بالآلات . وهذا محال : فإن المعقولات لا تدرك إلّا بالقوى الغريزية التي للجوهر النفساني دون الآلات الخارجة . فالجواب أن النفس لا تدرك العقليات الصرفة إلّا بقوّتها تلك ، لكنها لما صارت بدنية ، أي محتاجة إلى البدن في أفعالها ، احتاجت إلى شيء آخر تجلو به القوة ، ويكملها ويصيّرها كما ينبغي أن يكون لها في ذاتها ، فلا تكمل تلك القوة لفعلها لأنها احتاجت إلى زيادة فيها وجلاء لها ومعبّر . وإنما كملت للأفعال التي بها تنال ذلك الجلاء والاستعداد التام ، فصارت عمّالة بعمل لتكمل القوة وتجعلها بمطالعة المحسوسات مهيّأة لقبول فيض من فوق تتمّ به قوّتها . ولو كانت للنفس قوة كاملة بها تتّصل بالعقل ، لم تحتج إلى أن تلابس الأبدان ، فإن ملابستها الأبدان لتكميل تلك القوة . ( شكث ، 70 ، 10 ) إدراك ومشاهدة حقة - إن النفس إذا اشتغلت بشيء انصرفت عن غيره وحجبت عنه ، وإن كانت الفكرة عنه قد تنهج سبيلا إلى كثير من إدراك معنى الربوبية . لكن الإدراك شيء ، والمشاهدة الحقّة شيء ؛ والمشاهدة الحقّة تالية للإدراك إذا صرفت الهمّة إلى الواحد الحق وقطعت عن كل خالج وعائق به ينظر إليه ، حتى كان مع الإدراك شعور بالمدرك من حيث المدرك المناسب اللذيذ الذي هو بهجة النفس الزكية التي هي في حالها تلك ، والمخلّصة عن كل محنة ، الواصلة إلى العشيق الذي هو بذاته عشيق ، لا من حيث هو مدرك فقط ومعقول ، بل من حيث هو عشيق في جوهره . ولما كان الإدراك قد تحجب عنه الشواغل ، فكيف المشاهدة الحقّة ؟ وأقول ( ابن سينا ) إن هذا الأمر لا ينبئك عنه إلّا التجربة ، وليس مما يعقل بالقياس ، فإن في كل واحد من الأمور الحسّية بل أكثر ما يدرك منها بالقياس ، وخواص أحواله تعلم بالتجربة ، وكما أن الطعم لا يلحق بالقياس وكذلك كنه اللذّات الحسّية ؛ بل أكثر ما يدرك منها بالقياس إثباتها المبهم عن التفصيل ، كذلك في اللذّة العقلية وكنه أحوال المشاهدة للجمال الأعلى إنما يعطيك القياس منها أنها أفضل بهجة . وأما خاصّيتها فليس ينبيك إلّا المباشرة وليس كل بميسّر لها . ( شكث ، 44 ، 5 ) إدراك الوهم - أما الوهم فإنه وإن استثبت معنى غير محسوس فلا يجرّده إلّا متعلّقة بصورة خيالية . ( رعح ، 36 ، 18 )